الخميس، 8 أغسطس، 2013

حلاوة العيد ... وتبعثرك

في مرحلة من مراحل طفولتي المبكرة كانت علبة جواهر جلاكسي تظهر للمرة الأولى في الأسواق ، تعرفونها ، العلبة الإعتيادية التي تظهر بأحجام متعددة وربما حتى في أصغر البقالات ، بالطبع وقتها لم تكن هذه العلبة شيئاً إعتيادياً بالنسبة لي ، كانت هذه العلبة تبعث فيا نوعاً من الإنبهار والضيق ،  أو لأكون أكثر دقة انبهاراً متبوعاً بالضيق ، شوكلاتة بالأرز ، شكلاتة سوداء ، شكلاتة محشوة بكريمة الكراميل ، بكريمة البندق ، بندقة كاملة مغلفة بالشكولاتة ، شكلاتة مستطيلة ، شكلاتة مدورة ، وأخرى تبدو على شكل قلب .    كانت أنواع الشوكلاتة كثيرة ، وكانت محشوة بأشياء كثيرة ، وكانت مغلفة بنوع من القصدير الملون الذي وجدته أيضاً ولسبب ما فاتناً ( خصوصاً بعد فرد تعريجاته ليأخذ شكل مربع منبسط ) ، كل هذا كان كثيراً على قلبي الطفل وكانت تبدو له الأشياء كثيرة ومبهرة جداً  ،  كانت الألوان والطعوم غامرة وصعبة على الحصر ، وكنت أشعر بالضيق لكل هذا ، لأني بشكل ما كنت أبدو عاجزة أمام حصر وتسجيل كل شيء في هذه العلبة ، وكنت أجد العزاء في " الكتالوج " الصغير الذي كان يأتي  داخلها ( لول )  وإن وجدته هو أيضاً صعباً على الحصر وجميلاً ومبهراً بدوره ..

وبعد كل تلك الأعياد التي انتهت وأنا أشعر بالتخمة والغثيان لكثرة ما حاولت أن "  أحيط " بكل تلك الأنواع  من الحلوى ، أستمرت معي هذه الرغبة في الحصر ، وهذا الضيق عندما لا أستطيع ، شعور بالتبعثر ، أن الأشياء كثيرة وأني صغيرة جداً .. 
ثم جاء عيدٌ من الأعياد وسمعت كلمة غريبة ، صرحت إحدى الصديقات إنها لم تأكل إلا قطعتين من الحلوى طيلة هذا العيد و كان هذا تعقيباً على تذمر أحدهم من تشابه الأعياد وحتى تشابه الحلوى فيها !
ثم لمس هذا التعليق شيئاً في ..
 فكرت .. إثنتان فقط ؟ حقاً ؟
وتذكرت هذا التبعثر وتذكرت الضيق الذي انتابني من هذا التبعثر ..  ماذا عن الباقي ؟ ألا تريدين تجربة البقية ؟ أعني كل شيء ؟

وعندها لم يكن السؤال مسألة حلوى فقط ، كان مسألة كل شيء ، ( كل الكتب وكل الأغاني وكل الأفلام وكل كل شيء ) معرفة كل شيء و الإنتشار في كل مكان ، ألا تحتاجين هذا ؟ أعني حقاً .. إثنتان فقط ؟ رغم كل الأشياء التي هي موجودة ورغم كل الكثرة والوفرة والتنوع ؟
ثم شعرت بالحسد ،

وأردت هذا النوع من السلام الداخلي ، والإكتفاء بالذات لأنها تكفي وحسب ، أردت هذا التكثف ، وهذه السكينة التي تقول لك أن الأقل هو الأكثر ، وأن الإستزادة في بعض الأحيان لا تضيف إلا النقص مع رشة من اللاجدوى والتهافت و الإنطلاق غير الضروري في كل مكان ..
أردت هذا الأستمتاع الهادئ بالجمال دون الشعور القهري بضرورة إمتلاكه والإستيلاء عليه ، والقبول به في بعض الأحيان عابراً ومتفلتاً وغير قابل للحبس في أوعية أو ذاكرة ، جميل وحسب .. لطيفٌ إن بقي ، وبقايا شعور لطيف بعده إذا رحل ..

وقطعتان فقط ، ربما لأنهما كانتا الأجمل ، كانتا الألذ ، المميزتان ، كانتا الأجدر بالمحاولة .. أو ربما لم تكونا ، من يعلم  .. ومن ثم إطلاق سراح البقية بكل الإحتمالات المجهولة التي تحملها ..

السبت، 20 يوليو، 2013

الإنمي الياباني .. بضع أشياء لتتذكرها إذا قررت المشاهدة


حسناً هذا موضوع غريب للكتابة حقاً ، غريبٌ لسببين : الأول أنني في الوقت الذي ظننت فيه أن هذه المدونة بدأت تأخذ طابعاً شخصياً و فردياً أجدني أرغب في كتابة موضوع كهذا ، موضوع يبدو أن مكانه أحد منتديات عشاق الإنمي الياباني ، أو مدونة تهتم وتختص فيه عن كثب  ..
والسبب الثاني هو أن حصيلتي الشخصية من مشاهدة مسلسلات الإنمي تعد على أصابع اليد الواحدة ( هذا بالطبع إذا أستثنينا بوكيمون وأبطال الديجيتال وماروكو وعهد الأصدقاء وغيرها من الإنمي المترجم التي إما كبرنا عليها أو كبرنا وهي حولنا منتشرة كموجة  جنونية رأيناها  في كل مكان وعلى كل شيء  ( من يتذكر لعب البوكيمونات القطنية التي كانت تأتي كهدية مع وجبات الأطفال من برغر كنغ ؟ )
أياً ما يكن ، وجدتني اليوم أمام عدد من الملاحظات والتي برغم بديهيتها إلا أنني رغبت في تعليبها ووضعها على الطاولة ومن ثم النظر إليها ملياً من بعيد .. بكلمة أخرى كتابتها ووضعها على الورق قبل أن تتلاشى في الخلفية وتعود أمراً معتاداً لا ألحظه إذا وضعته على جنب لوقت أطول .. 
حسناً ... وعلى طريقة المجلات ( وبرغم أنه لا يوجد أحد فينا حقاً لم يشاهد رسوماً متحركة يابانية بطريقة أو بأخرى  ) لكن إليك أهم الأشياء التي يجب عليك أن تعتادها  إن أردت الإحتكاك ببعض أشهر الرسوم المتجركة اليابانية الموجودة على الساحة   

   -    يتعاطي الإنمي الياباني  - أو أحد أكثر سلاسله شهرة - مع ثيمات الموت والحياة بطريقة مكثفة ، وعلى أن هذا ليس غائباً في المسلسلات المنتجة من قبل ثقافات أخرى ، إلا أن تعاطي المسلسلات اليابانية معها هو أكثر مرونة  ، وعندما  أقول أكثر مرونة فأنا أعني أن أنه ليس من المستغرب أن تظهر " آلهة الموت " بشكل مجسد في الحلقات ، تلقي النكات ، وتتحدث مع الأبطال ، وتأخذ أدواراً رئيسية ودائمة في الظهور  الأمر الذي يجعلني أتساءل حقاً عن معنى الآلهة أو الموت أو البعث في الثقافة اليابانية وأبعادها العاطفية الحقيقية عند عامة اليابانيين ، ولماذا كانت مطروقاً بهذه الكثرة






- رتم الإنمي الياباني يختلف تماماً عن أي شيء آخر ، فالأحداث تأخذ نحواً أكثر تؤدة وبطء ، وما يتم في مسلسل أمريكي على مدى ثلاث حلقات يتم في المسلسل الياباني على مدى 15 حلقة .. هذاعلى الأقل :P

-  الشرح .. التوقف ومن ثم الشرح التفصيلي للأحداث وللذكريات وللتقنيات جزء أساسي وكبير جداً من جسم أي حلقة في أي مسلسل ياباني .. بل أن حتى أكثر اللحظات حسماً ودقة قد تشتمل على هذا التوقف المطول للشرح بل والإستطراد فيه ، الأمر الذي أجده مستغرباً أن توقفت وفكرت فيه للحظات (  أسبق أن رأيت بطل أكشن في مسلسل أمريكي يتوقف قبل أن يسددد ضربته القاضية لعدوه ليشرح شرحاً مطولاً مدته تطول أو تقصرعن شيء معين ؟ ناهيك عن أن يتذكر شيئاً ؟ ) نعم ..الكثير من الشرح




  -   المفهوم الياباني للكوميديا والإضحاك مختلف عن كثير مما نعرفه .. وقد تكرس أحد شخصيات المسلسل للترفيه وتخفيف الأوقات الجادة  سواء لعبت هذه الشخصية دوراً أساسياً أو ثانوياً ، ويرافق المواقف الكوميدية عادة تحول في شكل الشخصيات ، لتصبح شكلاً كاريكاتيرياً مبالغاً في الإنفعالات وتعابيرالوجه مع تغير الخلفيات والطيران في الهواء وخروج الدم كالشلالات من الأنف أو الدموع أو اللعاب ( والذي وإن كنا معتادين عليه بعض الشي ولو فكرت فيه قليلاً لوجدته غريباً حقاً )



-          مشاهد العري .. أوه نعم ، مشاهد العري  ، وإذا ظننت أبتداءاً أنك لن تصادف أياً منها  باعتبار أنه ( كل أفلام الكرتون للصغار ) فدعني أخبرك أنك مخطئ جداً في هذا



-  الشخصيات سهلة التنميط في الإنمي الياباني ومع بعض المشاهدة تستطيع أن تصنفها في بضع فئات كبيرة نادراً ما تخرج شخصيات الإنمي الياباني عنها  ( البطل الطموح دائم الإندفاع والصراخ و الرغبة في الوصول للهدف ، الصديقة حارة الطبع التي  تقوم بضربه على رأسه دائماً ، شخصية هادئة ورقيقة  وخجولة جداً وغير قادرة على قول أي مما تفكر فيه حقاً ( والتي تضغط على أعصابك حقاً طيلة فترة المشاهدة " يا أمي أهرجي !!! " إلا أنك يجب حقاً أن تعتادها لأنها على ما يبدو جزء حاضر وقوي في الثقافة اليابانية ) ، ثم أخيراً الشخصية الصامتة والغامضة وذات المهارات المتميزة والأسلوب المتعالي ( والتي تثير غيظ صاحب الشخصية المندفعة في أغلب الأوقات )  


-          


لكي تشاهد أحد الرسوم المتحركة اليابانية تحتاج إلى القليل من توسيع الأفق والقبول ، والأنفتاح على حبكات غريبة وأشكال أشخاص غريبين وعوالم غير إعتيادية بقوانين غير إعتيادية ،  وعلى أن كل هذا ليس حكراً على الإنمي الياباني إلا أنه ينجح دائماً في جعل هذا كله أكثر غرابة وتشابكاً ( ألن تحتاج إلى بعض القبول إذا أردت أن تتابع قصة وحش الشينابرا العظيم ذو الأعين السبعة الذي خُتم داخل دمية التشي التشي اللطيفة  التي حبست في سرداب المدينة الزرقاء منذ خمسمائة سنة قبل أن يحررها شرير المسلسل بطاقته الروحية الجبارة وبهذا استطاع أن يطلق الجنون والقتل في أنحاء الأرض ؟ ) أعتقد أنك تحتاج ، (  لول أختلقت هذا للتو ..لكن بقية القصص تتبع شيءاً كهذا :P   ، أو على الأقل النوع الذي أحب متابعته )









وبهذا تنتهي هذه القائمة ،   وبرغم  أن كل هذه الأشياء قد تحول للوهلة الأولى دون إعجابك بفن الإنمي الياباني ، إلا أن فيه من الإبداع والعبقرية ما يضمن عودتك للمزيد وعدم قدرتك على تبديله بأي نوع من المشاهدات التلفزيونية إن هو أخذ مكانه في جدول الأشياء الموضوعة على لائحة المشاهدة ، منعشٌ كم الغرابة التي يحويها ، ومثير للفضول كوعاء ينقل ثقافة وأفكار أناس مختلفين تماماً ، الموسيقى عبقرية ، وتصميم الأزياء والأسلحة والحركات القتالية ( إن كان من هذه الفئة )  ملهم ومثير للإعجاب ، المشاهد المحزنة محزنة فعلاً وكفيلة بجعلك تمسح عينيك بطرف قميصك ، والإتقان والجهد والحب والإبداع في كل تفصيل يُلهم إبداعك أنت ومخيلتك أنت وتفاصيلك أنت .. كمان يفترض بالفن أن يفعل ، كما لا يفعل أي شيء على الشاشة . 

الخميس، 4 يوليو، 2013

36 جهة أتصال


اقرأ التالي بنبرة مذيعي الأخبار :
في حادثة غير مسبوقة قام جوالي  بحذف جميع الأرقام الهاتفية التي تخص أي شخصِ سبق وعرفته  في حياتي وبعد محاولة مريرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ( عن طريق المحادثات التي ما زالت موجودة على تطبيق الواتساب والتي قمت فيها بلعبة توصيل المحادثة باسم الشخص الي جرت معه ) تمكنت من إستنقاذ 36  اسماً فقط ،  هذا وقد تُبع حذف جميع الأسماء بتنويه مندد يقول بأن " يور سبرنغ بورد هاز  كراشد"

حسناً انتهيت من العبث
تستطيع أن تقرأ التالي بأي نبرة تريد ..

آه .. نعم ،  36 اسماً فقط ، وقد فاجأتني حقاً النوبة القلبية التي أصبت بها حالما أكتشفت أن كل الأرقام قد ضاعت
أصبت بالهلع  ، و جعلت أنظر فاغرة إلى قائمة الأسماء البيضاء  ،
 وحيث أنني  لم أكن يوماً بالضبط  سيدة التواصل الهاتفي أتساءل
 : لم شعرت بالهلع هكذا إذن ؟
وكان الجواب سهلاً ( ألا تحب نفسك عندما تعرفها لهذا الحد ؟ ) 

يقبع في قائمة جهات الإتصال التي تخصني عدد من الأسماء التي أختارت الحياة ( وفي بعض الأحيان أنا ) أن تتوقف العلاقة بيننا  ، وعلى أني حرصت أن أمحو كل أثر يخصهم في أي جهة أخرى من هاتفي النقال بصفة دورية ( إما بسبب المساحة أو أي أسباب أخرى ) إلا أنني عرفت  بأمان وبشكل جانبي أنهم سيكونون دائماً هناك ، ترتص أسماؤهم بصمت إلى جانب أسماء أخرى تتبع نفس الترتيب الأبجدي في قائمة جوالي   ، وأنهم  دائماً على بعد مكالمة هاتفية واحدة ، أو رسالة نصية واحدة .. 

وعلى أنني لم أقم يوماً بهذه الخطوة  ولكن وجود الخيار فقط  كان شيئاً مطمئناً  بالنسبة لي  .
ثم " پوف" ! اختفت الأسماء هكذا 

وتركت أنا مع هذا الشعور الحاسم والأكيد والنهائي بأن لا تواصل سيأتي مستقبلاً ، وأن المسافة الكبيرة التي كانت تفصلنا إبتداءاً -  في لحظة  -  قد صارت أكبر وأكبر وأننا حقاً  " قد ذهب كل منا في طريق " ..

ثم هناك الأسماء الجديدة ، التي وجدت طريقها إلى هاتفي بمحض الصدفة أو بكيفيات أخرى ، 
وأحببت وجودها في هاتفي النقال وإن لم أملك لها هي الأخرى أي خطط في المستقبل القريب أو البعيد  ولكن وجودها كان منعشاً بطريقة غريبة ، بطريقة مشروعٍ ما على وشك البدء ،  خطط صداقة  مفتوحة  بحب  ، أو مضاداً للملل في أسوأ الأحوال
وفقدت هذه أيضاً
وعلى أن استرجاع كل هذه الأسماء ليس بالمهمة المستحيلة  إلا  أن جانبي الشاعري ( وجانبي الكسول إن جئنا لهذا الصدد )  قد تولى مهمة إقناعي بالعكس  ،
قلت : فليكن
ربما لم يكن مقدراً لهذه الأرقام أن تبقى
ربما كان هذا إشارة صريحة بأن علي المضي قدماً في الحياة ، وليس هذا فقط
ربما كان إشارة بأنه يجب علي المضي قدماً في الحياة  و في اتجاه آخر ، نحو طريق لا تكون فيه كل هذه الأرقام جزءاً أكيداً من هاتفي النقال ..أو جزءاً أكيداً من كل الإحتمالات التي يحملها لحياتي
طريقا ً أقوم فيه  بالأشياء فعلاً ، على أن أستكين لاحتمالية القرب ، واحتمال وجود المشروع  و احتمال حدوث هذا أو ذاك .. واحتمال واحتمال
ربما يجب علي أن أضيق الإحتمالات ، و أطفو مع الموجود والحقيقي والحاصل
ربما يجب علي أن أبدأ من جديد
وأصطدم بكل من عرفتهم سابقاً في كل مرة على حدى ليدخلوا إلى حياتي  " قائمة جوالي " مرة أخرى  ، دخولاً حقيقياً وفعالاً ومؤثراً ..وإلا فلا ضرورة لكل هذا الأرقام والإزدحام  في سبيل " الإحتياط "  وكلمة  " ربما أحتجته يوماً  ما " أو المناوشات والمجاملات الفارغة  ..
ربما يجب علي أن .. أن أكون أكثر كرماً !  و أقبل بتطاير القطع هكذا  ، وألا أكون  على " رأس اللعبة   " كما يجب
أقل سيطرة وأكثر قبولاً ، أكثر تسامحاً وتساهلاً  مع نفسي ومع الناس ومع الأرقام ومع الجوال و مع الحياة  .. و مع بعض الطرق التي أنتهت إليها بعض الأمور  ...
ربما أفلسف هذه المسألة أكثر مما يجب ، ربما  يجب علي أن أفكر في العطل الفني  كعطل فني وحسب ربما يجب علي أن أسترجع كل هذه الأسماء بصمت وأسلم أنها وجدت في هاتفي لسبب ما ، وأنها ستبقى برغم هذا العطل وبرغم أشياء كثيرة  ، وأن لا شيئ أبداً ينتهي حقاً ، وأن الإحتمالات ستبقى واردة حتى وإن اخترنا ألا نفكر فيها
وأن الحقيقي والموجود والحاصل أوسع وأشمل مما  أخترنا  إطلاق عليه كل هذه الأسماء فقط لأنه موجود بالنسبة إلينا  وحاصل ٌ لنا نحن وحسب ..

ربما أصمت الآن  .. 

الخميس، 20 يونيو، 2013

حلقاتنا المفرغة ..الوعي بالنمط


 

البشر مخلوقات شاسعة ، وعندما أقول شاسعة فأنا أعني كل شيء بخصوصنا

نحن نتمشى هنا وهناك ونحن نحمل في أنفسنا عوالم شاسعة ، بعضنا فطرياً يتكئ على عالمه الداخلي لينظر في نفسه وفي شؤون الحياة أكثر من غيره من الناس لكن كلنا بالتأكيد نحمل هذه العوالم داخلنا ، العوالم التي تطفح بالأفكار والمعتقدات والهواجس ..

ونحن أيضاً وبدرجات متفاوتة حبيسوا  أنماطٍ معينة من أفكارنا ، وأنا هنا لا أعني أفكاراً  ثقافية أو تربوية

إنما أعني أفكارنا الشخصية اليومية البسيطة وأمانينا العابرة ( أو التي نعتقد لوهلة أنها عابرة ) بينما لو توقفنا للحظة لعرفنا أنا هذه هي المرة الألف والستمائة وسبعون بعد المليون التي تخطر لك فيها هذه الفكرة بشأن هذا الأمر المعين

ومن اللطيف أنك مع العشرة _ وإذا كنت مستمعاً جيداً _ فإنك أيضاً تستطيع التعرف على أنماط الآخرين وسجون أفكارهم و لربما صحت في صديقك في نوبة ملل بأنك يا فلان لا تملك إلا هذا الموضوع وهذا الموضوع وهذا للموضوع للحديث فيه ..

إن قدرتنا على تكرار أنفسنا عجيبة ، ولهذا بالذات فإن قدرة الحياة ( أو التاريخ )  على تكرار نفسها أمر عجيب أيضاً

وإن إحباطً حقيقاً يكمن في أن تخطر على بالك فكرة معينة أو هاجس معين لتفاجأ لاحقاً ( ربما عن طريق الصدفة إذا عدت لقراءة مذكرة قديمة لك اذا  كنت من النوع الذي يكتب المذكرات ) بأن هذه الفكرة ليست المرة الأولى التي تخطر على بالك ،  وأنها ليست أصيلة أو جديدة بالنسبة لك كما تعتقد ، أو أن هذه ليست المرة الأولى التي تقوم فيها بتكرار خطأ ظننت أنك تعلمت الدرس منه جيداً في حياة سابقة

وعلي القول أن في هذا شيء من الطمأنينة أيضاً ، فبعد كل شيء لا أحد حقاً يستطيع العيش مع نفسه أو مع الآخرين إذا لم يكن قادراً ولو بطريقة ضبابية أن يحزر شيئاً من الطريقة التي ستؤول إليها الأمور ، كما أن مخاوفنا تغدو أقل شيطانية عندما نردد على أنفسنا أن هذه ليست المرة الأولى التي شعرت /تعايشت  فيها مع هذا الخوف .

إلا أن مسؤولية معينة تقع على عاتقنا مسؤولية كبيرة وصعبة أيضاً  وهي أن نحاول التعرف  قدر المستطاع على سجون أفكارنا  ونحاول قدر المستطاع كسر أنماطنا الداخلية  و  فك حلقاتنا المفرغة التي راكمناها داخلنا دون أن نشعر و على مرور الأيام  ،

 لماذا؟

لأن الحياة أوسع مما نتخيل ، لأن عالم الأفكار كبير جداً ، ولأنه من العار أن يمتد المحيط أمامنا شاسعاً وكبيراً وخلاباً وماجداً بينما نموت نحن حين يحين وقتنا في نفس البرك الراكدة القديمة المألوفة والمملة التي لم ننجح يوماً في الخروج منها أو حتى اكتشاف حقيقة أنا كنا عالقين فيها لوقت طويل جداً

الأحد، 2 يونيو، 2013

في معنى التأجيل ، حزن اليوم اللأخير

الإنهماك أمر حسن .. الإنهماك أمر جيد ،  لطالما صدقت هذا ..

قرأت في مكان ما عبارة عامية طريفة كان مفادها هو إحساس " الوهقة " الذي تشعر به عندما تخصص وقتاً معيناً لمشاعر معينة ثم تفاجأ بانتهاء المشاعر هذه " مبكراً " وتتورط أنت بالوقت الوفير المتبقي بين يديك
تخطر على بالي هذه العبارة اليوم  .. 
عندما أعود بذاكرتي للوراء محاولة تذكر أي حدث مهم حصل لي خلال سنة مضت أجد أن أمراً مشتركاً يربط بين هذه الأحداث  ... لقد كانت مؤجلة بطريقة ما . 
كفتاة ذات طبيعة مزاجية ، كفتاة ذات انتاجية تتبع طبيعتها المزاجية فإن مسألة تطويع مشاعري وحياتي الداخلية كان أمراً لزاماً عليا أن أتعلمه خلال السنوات الفائتة
مهمة قاسية أن تفعل الأشياء بيد واحدة ، ويدك الأخرى ممسكة بلجام عواصف داخلية  ورعود و بروق ..

من أين يأتي إنهاك اللحظات الأخيرة ؟
من أين تأتي حرارة تنهيدة الإنتهاء دون أن تكون سعادة حقيقية أو ضحكاً هستيرياً ؟
التعب أمر ذهني
أنت تقرر أنك متعب
أنت تنام جيداً كل يوم
أنت تنام أكثر من اللازم حتى
من أين أتت فكرة أنك متعب عن سنة كاملة ؟
أنها تأتي من المشاعر المؤجلة  .  من كل المشاعر التي توقفنا  عندها مراراً طيلة سنة كاملة وقلنا بيننا وبين أنفسنا "  ليس  هذا وقت هذا "  ، و" سأتذكر أن آخذ وقتاً لأحدّ على  هذا لاحقاً  "
احساس عجوز
احساس أنك شعرت ( أو لم تشعر ) ما يكفي عن سنة كاملة
احساس  يشبه نوعاً لذيذاً و مطمئناً من الحداد ، حزن مسترخي ، و ساكنٌ سكون مياه راكدة .
وقليلٌ من الخوف  .. وقليل من الخوف أن ينتهي الإحساس " مبكراً " و " تتوهق " أنت بل وتصاب بقليل من الكآبة لأن ما أجلته وقتاً طويلاً لم يأت على وجهه الكامل حين أذنت له أن يجيء
أستغرب الآن وبعد أن كتبت هذا أني قد سألت نفسي في وقت سابق عن السبب الذي أكون كئيبة فيه آخر الأيام ؟
" لم لا أفرح وحسب ؟ "
الآن سيبدو غريباً إن ( لم ) أحزن عندما ننتهي
الإنهماك أمر حسن

الإنهماك أمر جيد ، لطالما صدقت هذا ، ولطالما سأصدقه ،  لكن ما تدفنه لا يفشل في أن يضع لك ملاحظة صغيرة  تقول " سأعود عنما تنتهي " قبل أن يختفي تحت كومة إنشغالاتك وإنهماكك الحقيقي أو المفتعل .. 

الأربعاء، 10 أبريل، 2013

تسعة أفلام لا أحبها ..تدوينة بدون هدف


لا  أحب الأفلام الممطرة ، التي يتعين فيها على البطل أن يخوض الكثير من الوحول .

لا أحب أفلام الحركة التي يتعين علي فيها أن أشاهد عددا كبيراً من السيارات تقتحم عددا لا نهائياً من الأبواب الزجاجية .

لا أحب أفلام الحروب ، المعاصرة منها تحديداً . التي يجب أن تستمع فيها لحوار الأبطال بين ضجة أصوات الرصاص .

لا أحب أفلاماً تتمحور حول حيوانات أليفة ، كأنه ينقصني أن أفك شفرات الحديث الجاري بين قرد و ببغاء .

لا أحب أفلام باتمان وسبايدرمان ، سوبرمان .. الكثير من الملابس المطاطية ..

لا أحب أفلام الكوارث الطبيعية ( زلازل براكين فيضانات أعاصير عواصف ) ، أعني .. الكثير من المشاهدٍ التي تهتز وترتجف طول الوقت ؟

لا أحب أفلام الفضائيين ، حيث يُحبس مجموعة من الأشخاص في مكان موحش ما مع كائن فضائي يلتهمهم واحداً واحداً ( بادئاً بالشخص الذي ذُعر أولاً وقام بحركة دنيئة لينجو بنفسه )

لا أحب أفلام أبطال الرياضة ، خصوصاً إن لم أفهم قواعد الرياضة .. أنا لا أفهم قواعد البيسبول ، كرة السلة ، الركبي ، الهوكي ... أنا لا أفهم قواعد معظم الرياضات .

لا أحب أفلام بوند ..جيمس بوند .. ( لم كان لزاماً عليه أن يكون مُدوخاً للنساء؟ وماذا عن كل تلك المعدات الجاسوسية ؟ بالله عليك . )

 

 

صوت خافت  يرد بنبرة ساخرة  " أمال إيش تحبي أنتي ؟ "

وأرد

" امممم مدري .. أحبك أنت يا عيوني "  

 بنبرة ساخرة أيضاً

الأحد، 31 مارس، 2013

مارلين مونرو ..التي تصف ولا تشرح



قروبنا الدراسي يتكون من عشرة فتيات خمسة منهن كن دائماً أصدقاء من أولى أيام الكلية ، و الخمسة الآخرين كانوا صديقات فيما بينهن  وجمعتهم بنا ترتيبات الكلية التي أوعزت إلينا إدارتها بضرورة تكوين هذه المجموعات لأغراض الدراسة وسهولة التواصل

أيا ما يكون بقيت العلاقات النووية داخل المجموعة كما هي بترتيب ثلاثة إثنين خمسة ( ومع توزيع نووي أصغر داخل مجموعة الخمسة فتيات التي كنت أنا منهن ) وباعتبار إن كل واحدة فينا على حدى كانت ذات طبيعة دراسية جادة وميول إجتماعية أقل فإن اندماجنا تطلب وقتاً ، و باعتبار أن تكوين علاقات إجتماعية ليس بالضبط على قائمة الأولويات والتوجهات لدى أي واحدة منا فإن الوقت الذي تطلبه لم يكن باعثاً على الدهشة تماماً

ومن المفارقة أيضاً أننا اقتربنا من بعضنا البعض عندما أصحبت الدراسة أسهل ، وبات ممكنا على إحدانا أن تظهر بعض  أصول اللياقة الإجتماعية والرغبة في التواصل وقد خف عن كاهلها حمل الشراسة وسوء الخلق الذي كانت تبعثه الدراسة فينا  ( أعرف جعلت الأمر يبدو سيئاً ههههه  لم يكن بهذا السوء حقيقة )

أياً ما يكن ، تعمقت صداقتي بإحدى فتيات الضفة الأخرى مؤخراً ، وهي ليست صداقة أتوقع لها /منها  الكثير في المستقبل ( ليس الأمر أني أتوقع شيئا كثيراً من الصداقات بشكل عام )  لكن هذا لم يمنعها أن تُثير بضع الأشياء والتأملات في نفسي و بالتأكيد ... هذه التدوينة

صديقتي مُدهشة تماماً ، مدُهشة بطريقة استغربت معها أني لم أنتبه لها طيلة الوقت الذي كانت فيه  في مع مجموعتنا ،  وكل هذا لم يظهر تماماً إلا في ضوء المقارنة الذهنية ، المقارنة بي أنا شخصياً  والتي كانت مدفوعة بعفوية التباين الجم الذي يظهره أدنى تواصل بيننا

وجدت أني أتجه للعالم الخارجي بافتراض مسبق وهو أنه لا يَفهم ، وبالتالي فأني على مستوى لا واعي مني دائماً ما أحاول شرح شيء ما ،  باستفاضة واستطراد وشغف ، الكثير من الكلمات ، الكثير من الانسكاب ، وحس عارم بالمسؤولية ورغبة النقل التفصيلي لكل شيء على " وجهه الحقيقي "  ، كأن الأمر أني أقف على حاجز وأحاول بمجهود وتعب نقل الأشياء عبره لكل الأشخاص في الجهة المقابلة .
 بطبيعة الحال هذا يجعل الاستماع لأي قصة أرويها عملية فوضوية وفيضاً  من المشاعر والكلمات والتلويح بالأيدي و الإجابة عن أسئلة لم تطرح بعد و الاستدراك لما لا يلزم استدراكه ، وفي الوقت الذي أغوص فيه في بحر داخلي كبير لأقوم بتواصل إنساني ما ، لا يبدو على صديقتي أنها تمر بنفس العملية ، وكانت هذه ملاحظة جوهرية وأصيلة بالنسبة لي

صديقتي ولنسمها " إيمان " ليست فتاة صامتة ، وبرغم هذا فكلماتها قليلة جدا ، و  مماسية جداً ، و دائماً ما تمر محاذيةً للموضوع  لكنها لا تفشل في أن تُريك صلبه ، هي ليست صديقة التفاصيل ، لكن التفاصيل تصلك بطريقة ما

و في الوقت الذي تقول فيه عشرة كلمات ، تقول  إيمان  ثلاثة .  بخفة و تركيز و نبرة " نظيفة " .. وأنتهى

كل هذا أكسبها هالة مارلينية ما ( من مارلين مونرو )  وخامة من الدلال الضبابي النادر الذي لم أتوقع له وجوداً خارج الإطار المبتذل الذي تتبناه الفتيات ، هالة ما زلت أستغرب أني لم ألتقطها مباشرة من أولى جلساتنا ،

الأهم من هذا كله أن هناك شيء مريح في في إيمان ، وأعرف الآن أن منبعه وإن لم تكن هي واعية بذلك هو هذا الافتراض المطمئن ( وغير المتعمد ) بأن " العالم من حولنا يفهم ويرى " وأننا نستطيع  أن نكتفي بالإشارات البسيطة المختصرة وأن نتخلص من هذا العبء المزيف الذي يولد بعضنا به ، ألا وهو مهمة شرح الأشياء للعالم باستفاضة وتوسع  .

أغلب ما نقول لا يحتاج أن يقال ، والعالم أذكى كثيراً مما نظن ، وأكثر دراية من قبل أي شرح ، ونحن نصير أقل تبعثراً و إجهاداً عندما نضع هذا في اعتبارانا  ونتعلم أن " نُلهم "  أكثر ونشرح أقل

 



 

 
________________________________

 تبقى أسئلة  تثيرها هذه التأملات مثل : لماذا يولد بعضنا هكذا ؟ راغبين في الكلام والشرح وشاعرين بالمسؤولية هذه تجاه كل شيء بينما يولد آخرون أكثر هدوءاً وأقل جلبة نفسية من هؤلاء ؟ وقبلاً ، هل نولد هكذا أصلاً ؟ أم أننا نُربى لنكون هكذا ؟  وقد تصلح هذه التدوينة كجزء أول من تتمة تتحدث عن هذا الجانب أكاديمياً  ( أساتذة يشرحون الأشياء باستفاضة وفي بعض الأحيان زيادة عن اللزوم وبطريقة قد تكون عن غير قصد مُربكة ومُزعجة لنا نحن الطلبة بينما ينجح آخرون بكلمات أقل وفوضى أقل )

الخميس، 14 فبراير، 2013

في معنى الحقيقة : تدوينة عاطفية


أؤدي الآن رقصة السعادة

بصدق لا أذكر آخر مرة كنت فيها منتشية هكذا

أشعر بالمعنى ، أشعر بالقدسية ، أشعر أن شيئاً قد كان مفقوداً  أتخذ مكانه بدقة في صدري ، كأن قطعة حجرية كبيرة قد  وُضعت في بقعتها المفصلة بدقة على مقاس أضلاعها بل وأصدرت ذاك الصوت المحبب الذي يصدر عن الأشياء عندما " تُركب"  في مكانها الصحيح . " كلِك " !

إحساس لذيذ ، إحساس رائع .. أنا أصر عليك حقاً أن تتوقف الآن وتشاركني الرقص

أنتهينا من الرقص ؟

ممتاز ، دعني أشرح لك الآن ماذا حدث /يحدث

سعادة كهذه الي أشعر بها الآن هي وفي حقيقة  سعادة منشأها إحباط سري استطعت تطويره على مدى الخمس السنين السابقة ، وإن أتينا للتأمل فإن السعادة لا تُحس بأنها سعادة وذات طعم سكري إلا إذا أتت بعد كثير من الطعوم المقرفة و المرة ، الطعوم التي – وأضمن لك بشدة – أني تذوقتها بانتظام

 أمر بديهي إذا أن يكون من قوانين الحياة أن تكون السعادة بحجم المشقة التي تجشمتها في طريق الوصول وأن تكون الألوان القاتمة هي النقيض الذي يزيد الألوان السعيدة نصوعاً وظهوراً

يا للكليشيه ، ما علينا . أنا أحاول شرح شيء هنا

إحباطي يتلخص في إيجاد الحقيقة ، وعندما أقول أني " أريد أن أجد الحقيقة " فإن هذا ليس مدللاً على شيء بقدر دلالاته على إيماني العميق بزيف الأشياء وقلة المعنى ، لفترة طويلة ( نسبياً ) وأنا أؤمن بحق أن هناك مساقة معتدلة بين الأشياء وبين تصوراتنا عنها ، أن لا شيء وأعني لا شيء ، لا تعبير أو لغة أو نص مكتوب يمكن أن يقبض على جوهر الحقيقة ويطوي المسافة بين جوهر الأشياء وبين طرقنا الإنسانية في التعبير عنها ونقلها للغير

وأن واجبي الإنساني والمعرفي هو أن أخوض في كل هذه التعبيرات والتصورات المحسوسة عن شيء ما دون أن أسلم  أنها هي ذات الشيء وأن من الحكمة  تحري تضييق المسافة بين ما يُعبّر عن الشيء وبين ذاته وإن لم أصل كلياً لهذه الذات و هذا الجوهر

هذه النزعة تتأكد عندك عندما تشاهد نشرات الأخبار ( لاسيما إن كانت ذات توجهات سياسية غير محايدة ) ، عندما تقرأ أي كتاب ،و عندما تحاول فك شفرات أي تعبير إنساني عن الحقيقة أو عن " الحدث "

وبالطبع ، دراسة الطب لم تساعد . لم ؟ ومن المفترض أن العلوم الطبيعية تمتاز دوناً عن العلوم الأخرى بابتعادها عن الشخصية و  الرأي الصرف واعتمادها اعتماداً كلياً على تحليل البيانات وصياغة نتائجها في منظومة من الحقائق التي يُفترض بها أن تطابق الواقع ؟

أليست دراسة علمٍ يُفترض فيه المطابقة للواقع كفيلاً بالقضاء على هذه النزعة ؟ وتوفير الكثير من الاستقرار العاطفي الذي يأخذه هذا الافتراض المتشكك والمُكذب لكل شيء ؟

حسناً ليس بالضرورة

في دراستي وجدت إشكالاً كبيراً ، وجدتني مُجابهة بكل هذه النصوص الطبية  وبكل هذه الخطوط الإرشادية والتقنينية التي يفترض بها أن تعبر عن الحقيقة ، وعن الواقع .

وما أعجبني هذا الأمر ، إذ أنني شعرت أن الواقع هو أعقد بكثير من هذه النصوص ، وأن الأمور على الطبيعة أكثر تشابكاً وتداخلاً ، وأن محاولة تقنينها بهذا الشكل السطحي هو فقط ذهاب في المحاولة المستميتة للتعبير عن الواقع إلى أقصاه ومع ذلك الفشل في نقله نقلاً كاملاً وحقيقاً

وأنه ما زال علي واجب قطع تلك المسافة ( التي بدت كالمسافة بين السماء والأرض ) بين ما تمثله هذه النصوص وبين كينونته الحقيقية على الأرض و على الطبيعة ،

بدت الأمور عبثية ، بعيدة عن الواقع ، مُفرطة في الانغماس الساذج في تقنينها وتصنيفها أكثر منه في محاولة فهمها ولمسها على الطبيعة ،  " هذا جسم كائن حي يا جماعة غير معقول أن أقيسه بالقلم والمسطرة " هكذا قلت في نفسي

لكن احزر ماذا يا شريك الرقص ؟

هذا ليس صحيحاً ، هذا ليس دقيقاً ، والمسافة يا صديقي أقصر مما تخيلت والحقيقة قريبة قرباً تستطيع معها لمسها بيدك ولا أصدق أن عبرة السعادة تخنقني وأنا أكتب هذا ( سِنف سنِف )

والفضل في هذا يعود إلى فواز ، مريضي العزيز في عنبر الأطفال ، الذي استلمت مهمة تلخيص حالته الصحية وأعراض مرضه  ( بعد كتابتها بخط اليد ) إلى الطبيبة التي تشرف على مجموعتنا ( كجزء من الواجبات المقررة لمادة طب الأطفال )

كانت لحظة سحرية أظني أني لن أنساها في حياتي تلك اللحظة التي قرأت فيها عن المرض الذي أتى به هذا الطفل ، كانت الأعراض مفصلة على مقاس السطور ، وكأن طبعة الكتاب القديمة هذه استحالت معجزة ما وهي تلخص الطفل الذي أمامي في بضع صفحات ، اكتسبت الأسطر قدسية ما ، مهابة ما ، كأني ولأول مرة ألمس الحقيقة بيدي وبت قادرة على احتضانها والإيمان من جديد ، بالحقيقة وبالعلم وبالبشر وبكل شيء

لا ، لم يكن فرحاً ساذجاً برؤية شيء قرأت عنه في كتاب ، كان أعمق من هذا بكثير ، وكان تأثيره أقوى بكثير ، شيء ما حصل في تلك اللحظة التي قرأت فيها تلك الأسطر ، شيء لن أكون بعده نفسي مرة أخرى ، على الأقل نفسي القديمة بكل قلقها المعرفي المثير للجنون

درامية ها ؟

ربما قليلاً ، لكن لدي عذر الفالنتاين أليس كذلك ؟

نبض قلبي اليوم ..  وأشعر به و بامتنان ممتلئاً و مستقراً في صدري ،














*



للزملاء في الكلية ، يعاني مُلهمي فواز ذو السبع سنين من Henoch–Schönlein purpura بكل أعراضه الكلاسيكية