الأحد، 19 أبريل، 2015

في حضرة السيرة الذاتية ، عناء المحسوس والمُقاس

كان لزاما علي القيام بكثير من الأمور كُرمى لعين وظيفة معروضة أمام عددٍ غير قليل من الأطباء حديثي التخرج ، وظيفة تعني أنك أنهيت البكالوريوس في الطب والجراحة وأنك الآن تعمل وتتدرب تحت مسمى طبيب مقيم في تخصص معين يُتاح  كل سنة أمام عددٍ لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة و في عدد محدود من المستشفيات .
 كان علي الجري خلف الأوراق ، توقيع أخرى ، رص بطاقاتٍ كرتونية تعني أني مؤهـلة في مهارات معينة ، استخراج شهادات دورات ما عبئت بها يوم أخذتها ، والندم على أخرى أعرضت عنها في وقت من الأوقات هاتفة بطمأنينة و استسخاف " هو أنا فاضية؟ "
كان علي شراء الملفات واليوإس بيهات ( جمع USB )  ، ترتيب أوراقي بدقة ممرضة فلبينية مصابة بالوسواس القهري ، وعجن أجوبتي مرارا وتكراراً لتأتي على مقاس أسئلة مقابلات شخصية وأناس لا أعلم ماذا يريدون على وجه التحديد.
اُختبر صبري ، و أُثيرت حفيظتي ، ومثلت أني أطعن نفسي بغرض حاد علامة الإحباط في كثيرٍ من الأحيان .

كل هذا العناء ما كان ليُقارن بالأمر الذي كان الأكثر ثِقلاً على نفسي خلال كل خطوة من خطوات الطريق ، والأكثر دفعاً نحو أسئلة المعنى و جدوى الأمور ؛ كل هذا ما كان ليُقارن بعناء كتابة سيرةٍ  ذاتية  ..
لماذا؟
لأسبابٍ كبيرة ومهمة وحوهرية ، أهمها أنه كان من الواجب  علي أن أكدس حياتي في سلسلة زمنية من الأفعال التي من شأنها أن تعني أني الخيار الأفضل لهذه الوظيفة المعروضة  ، أني  مجبرة على تلخيص نفسي في نقاطٍ وأحداث من شأنها أن تكون منطقية ومحسوسة وقابلة للإثبات من قبل الآخرين ( ويا حبذا لو منظمة أو مؤسسة معترفٍ بها ) ، مادة صلبة و ملموسة ، حدثٍ مرئي ، وأشياء قابلة للقياس ..
لم يكن هناك أحدٌ على استعداد لمنحك شهادة كل مرة تفكرت فيها في نفسك ، إعطائك بطاقة مغلفة تغليفاً حرارياً كل مرة دفعتك فيها المعرفة الفردية بما حولك نحو الرسم أو الكتابة ، أو منحك ساعات تعليمٍ مستمر لأنك قرأت ذلك الكتاب أو ذاك ، وحاول أن تثبت  أنك تعرف شيئاً عن شيءٍ ما قليلا كان أو كثيراً من مجرد الغوص الفردي في البحث والتقصي الحر واللاصفّي ، فجأة غدت كل حياتي داخلية بامتياز ، بنت الأفكار غير المشهودة ، المعلومات التي لم يسأل عنها أو أتطوع بها أمام أحد ، مهاراتٍ  وهواياتٍ لا يُبحث عنها وغير " جديرة " بأن توضع في سيرتي الذاتية رغم أنها تمثل صُلب شخصيتي وجوهر ما أفعله كل يوم ..
وعلى أني حزت على الوظيفة في نهاية المطاف ، إلا أنها كان نكزة قوية ومُوقظة تلك التي توفرها رهبة طلب مكانٍ في هذه الحياة بقليل من المحسوس و المادي ، وما يتعارف عليه الناس ، بسيرة ذاتية فارغة
وعليه ، و بعد هذا فأنه من الآمن أن أقول أنه لا يستقيم أن تطلب شيئاً من أيدي الناس ، إن لم تكن على استعدادٍ للرضوخ إلى مقاييسهم ، وأنه ربما ، ربما فقط هو أمر حقيقيٌ ألا يكون الفعل حقيقياً إن لم يكن مشهوداً ومُصدقاً و متعارفا عليه ، بل وموجهاً نحو عددٍ من الناس بل و لم لا ؟  مفيداً لهم .
كلامٌ معقد؟
تحدثوا إلى الناس ، قيسوا أنفسكم بما يتعارفون عليه من المقاييس ، حوزوا على البطاقات الكرتونية من كل الأحجام ، واستكثروا من الشهادات والدورات ، لا أحد يهتم أو يستطيع قياس الدواخل فعلاً وإن استطاع فهو  لن يكون بمقدرته أن يُثبت لكم هذا ، أتقنوا اللعبة جيداً و أعطوا الناس ما يريدون ، وعندما تفعلون ربما يعطيكم هذا الحرية على السباحة في الملكوت اللامُقاس واللامُعلن لدواخلكم 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق