الأحد، 25 نوفمبر، 2012

المرأة في مقلب القمامة ، المرأة في غرفة العمليات


-هذه التدوينة مكرسة لأطراف النقيض والتي برغم وقوفها على جهتين متقابلتين هي في النهاية تُفضي إلى نتيجة واحدة

وبؤس إنساني واحد ،

 - إلى ماذا أيضا؟

إلى كل الموارد المركزة في بقعة واحدة حد أن تضر وتكون شراً ، و تكون شحيحة ناقصة في بقعة أخرى و ;  نقصها نقص وشر مماثل

- وإلى من ؟

إلى تلك المتشحة بالسواد في ذلك المقطع على اليوتيوب التي أشار المذيع إلى قطعة الخبز العفنة في يدها وسألها و هي تقف على مقلب القمامة " إزاي تاكلي دي ؟ " فردت " أصلي بنشفهم تحت الشمس "

 


.......

أنا الليلة في مزاج شاعري ، و استنتاج كالذي سأقوم به الآن هو-  -وتبعاً لوضع كاتبته - شاعري أيضاً  أو فلسفي  في أحسن الأحوال

وقفنا اليوم على رأس مريضة ، طاقم جراحي كامل إضافة إلينا نحن المتدربون والطلبة . وخلال الساعتين والنصف وهي مدة العملية كاملة كنت على موعد مع لقطاتٍ على مستوى عالٍ من الحسية / استلهام الحواس  ..

المريضة كانت كبيرة الحجم  ولا يحتاج منك وقتاً في غرفة العمليات قبل أن تعرف أن الطبيب بصدد إجراء عملية لتكميم المعدة .

عكف الجراح و عيوننا من فوق أكتافه على العمل داخل أحشاء المريضة ، اكتست الشاشة بالألوان ، زهري للمعدة بني للكبد ، أصفر و وأبيض لكل الشحوم الداخلية التي تحيط بهما  وبالطبع لمعة أعمدة الحديد التي تدخل وتخرج بصفة دورية إما لتقص شيئاً أو تزيح آخر ..

أدخل الجراح عمودا حديدياً طويلاً ينتهي بقاطعة تطبق على اللحم ومن ثم تطلق صوتاً متتابعاً كرنين منبه ثم تفصله عن الكتل الشحمية البيضاء المتصلة به ..

صوت المنبه ، تطبق القاطعة ، يبتعد الشحم عن اللحم

صوت المنبه ، تطبق القاطعة ، يبتعد الشحم عن اللحم

ينزف وعاء دموي صغير ، يتغير صوت المنبه ، تغير القاطعة مهمتها و تقوم بكي الشريان . يتوقف النزيف

يدخل الجراح عمودا حديدياً آخر  أستقر في نهايته طرفٌ بكماشة  ، يعض  الطرف الشرير على جانب المعدة ، يقص من خلالها ويترك أسلاكاً حديدية متعرجة على حافة مقصوصة و مكوية بعناية

يَخرُج الجزء المقصوص من المعدة ويلقيه الجراح على المنصة قربه

قطعة من آدمي . قطعة حقيقية من آدمي حقيقي أعطى إذناً لأحدهم أن يخرجها من داخله لأن حياته بها صارت أصعب وأكثر بؤساَ  وعصية على حلول أكثر رأفة ..

وعند نقطة ما ، نقطة لا أستطيع مركزتها على وجه التحديد أخذت التجربة  منحى غير أكاديمي بالنسبة لي ، منحى عاطفياً و أخلاقياً .. منحى غاضباً قليلاً ومُشعِراً بالضيق  

يا للمعدن والحديد الذي دخل إلى أحشاء تلك المريضة ! يا للقص !،يا للكي ! يا للخياطة ! يا لخوف التخدير ! ومن ثم الإستلقاء بضعف وطواعية أمام أغراب ! يال ويال ! 
 ياللجوع َوياللشبع ..
و يا لبؤس كليهما ، ويا لحقيقة أنه بؤس  وإن كان هذا يبحث عن الطعام في مقلب القمامة وهذا يبحث عن الشفاء في مشرط الجراح ..
 

الاثنين، 5 نوفمبر، 2012

أسطورة العزيمة


تبدأ أمراً مهماً ، تخوض غمار شيء جديد ، تلزم نفسك بأشياء معينة بداية أول يوم من أول شهر في السنة وتعمل الكثير من الملاحظات الذهنية والخطوط الحمراء في مخيلتك تحت  كلماتٍ مُحببة للنفس ومشحونة بالعاطفية والحماس
  ( قوة الإرادة ، العزيمة ، علو الهمة ، العناد في  المقصد و" عدم القبول بـ لا كجواب "  )

مفاهيم ومفردات نتلقاها بكثير من الانشراح والقبول باعتبارها مُصاحبة للنتائج الجيدة والمآل الحسن وطريقاً إلى كل ما نريد ونتمنى . وكلها أشياء وجدناها في أنفسنا منذ بدأنا الاستماع إلى قصص الطفولة والتاريخ والفلكلور والموروث

إنك أينما تذهب يخبرك الجميع بضرورة قوة الإرادة و صلابة العزيمة ( هذا إذا كنت تريد أي نوع من الإنجاز أو تحقيق الذات في حياتك )  كتب تطوير تقول ذلك ( بل أنها جنت ثروتها من قول ذلك )  ، قصص الناجحين تقول ذلك ، وأهلك يقولون ذلك .

الأمر الذي أجده .. اممم ... حسناً ، مضللاً بعض الشيء .

برأيي الإنسان كائن بأفعال مكرسة ٍ للذة ، وتعبيرٌ كهذا برغم كونه صادماً بعض الشيء ( وموحياً بتفسيرات شهوانية ومادية  )  إلا أنه صحيح على مستويات كثيرة نرفض أن نعيها أو أن نعترف بها ولو بيننا وبين أنفسنا ،  ونختار أن نخلع على رغباتنا أثواباً أخلاقية وتبريراتٍ فلسفية ودينية .  

لا تفهمني بشكل خاطئ قوة العزيمة قد تكون وقوداً عاطفياً رائعاً قد يدفعك لفترة لا بأس بها من الزمن ، لكن الإشكال الأوحد أنه يفنى . ولابد في نهاية المطاف لقوتك أن تخور و لعزيمتك أن تفتر ( وسبحان القوي الدائم )  ومن ثم لا يبقى لك غير جلد الذات ( باعتبار أن فشلك يعني أنك لم تكن قوياً كفاية أو صلباً كما ينبغي ) 
وأما دخولك في معمعمة تحفيزية أخرى بعد فشلك الأول فهذه حلقة مفرغة يختار البعض أن يدخلها ويختار البعض الآخر أن لا يفعل

النجاح في نظري عملية مستمرة ،  وتصاعدٌ تدريجي يتسم بالثبات والاستقرار الأمر الذي لا أرى إمكانية تحقيقيه بدوافع  عاطفية متذبذبة وهشة مثل تلك التي تولدها أفكارنا عن العزيمة و الإرادة

النجاح مدفوع بأمر أكثر قوة  ، أمر أكثر ديمومة ، أكثر  تأصلاً وتجذراً في ذواتنا الفكرية والبيولوجية وأعني بهذا " اللذة "

وعلى أن الذي أقوله هنا ليس اختراعاً خارقاً ولا جديداً في أي حقل من الحقول  إلا أنه بات واضحاً عندي أن كل الناجحين لم يحققوا نجاحاتهم بميكانيكية متهافتة ومجهدة نفسياً كتلك التي نجبر أنفسنا على فعلها ونوصي بها غيرنا بل ونحكم عليهم من خلالها ، وأنه إن لم يكن هناك حسٌ قوي باللذة ( وتوقع اللذة لذة ) خلال كل فعل صغيرٍ من سلسلة الأفعال المتتابعة التي قاموا بها و أدت إلى حدثٍ  نهائي كبير ما ( نجاح ) لما كانوا ناجحين ولا حتى قريبين من ذلك .

كثف ذاتك ، وقم بالأشياء الصائبة للأسباب الصائبة . لا تمد يدك حتى يؤلمك قلبك ، ولا تبحث حتى يزوغ بصرك  ، واشعر باللذة لأنك مُصمم لترغب بها ولأن أفعالك تستمر و تصير أكثر ثباتاً إن كانت مقترنة بها ،

هذا طبيعي

هذا بشري بامتياز

وأنت بشري على ما أعتقد ؟